
في الوقت الذي كان ينتظر فيه سكان الحوض الشرقي من ممثليهم السياسيين ومنتخبيهم، أن يكسروا صمتهم، ويرفعوا صوتهم للمطالبة بالتنمية والخدمات الأساسية والأمن والاستثمار، اختار بعض هؤلاء السياسيين أن يتصدروا المشهد بدعوة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الترشح لمأمورية ثالثة، في خطوة تثير الكثير من الاستغراب والقلق، ليس فقط لأنها تتعارض مع النصوص الدستورية الواضحة، بل لأنها تكشف حجم الانفصال بين أولويات المواطنين وأجندة بعض النخب السياسية.
إن الدستور الموريتاني لا يترك مجالاً للتأويل في هذه المسألة، فقد حدد سقف المأموريات الرئاسية بمأموريتين، وجعل من التداول السلمي على السلطة أحد المكاسب السياسية والدستورية التي تحققت بعد عقود من عدم الاستقرار والانقلابات.
ولذلك فإن أي دعوة صريحة أو ضمنية لتجاوز هذا السقف لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها استهدافاً لروح الدستور ومحاولة لفتح نقاش يفترض أنه محسوم قانونياً وسياسياً.
ولعل ما يزيد من غرابة هذه الدعوة أنها جاءت من ولاية الحوض الشرقي، وهي ولاية ظلت لعقود طويلة من أكثر مناطق البلاد معاناة من التهميش وضعف التنمية.
فالطرق ما تزال غير كافية، والخدمات الصحية تعاني من اختلالات كبيرة، والمؤسسات التعليمية تواجه نقصاً حاداً في التجهيزات والكوادر، كما أن العديد من القرى والتجمعات السكانية ما تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة من مياه وكهرباء وخدمات أساسية.
أما على المستوى الأمني، فقد أصبحت الولاية تواجه نزوح للاجئين تجاوز عدد السكان، وتحديات متزايدة بحكم موقعها الحدودي وحساسيتها الجغرافية، ما يفرض على المسؤولين والسياسيين التركيز على تعزيز الاستقرار وتحسين ظروف الأمنية والمعيشية للمواطنين، لا الانشغال بإطلاق مبادرات سياسية تفتقر إلى أي سند دستوري.
كان الأولى بهؤلاء السياسيين والمنتخبين المتفقين على الولاء الأعمى، أن يقدموا حصيلة واضحة لما تحقق للولاية خلال المأموريات الماضية، وأن يشرحوا للسكان أسباب استمرار معاناتهم رغم الوعود المتكررة، وأن يطالبوا بخطط تنموية عاجلة تعالج الاختلالات العميقة التي تعيشها المنطقة.
أما تحويل النقاش من قضايا التنمية والخدمات إلى قضية المأمورية الثالثة، فهو في نظر كثيرين تولف في غير محله، ومحاولة للهروب من الأسئلة الحقيقية التي تشغل المواطنين.
ومهما يكن من أمر، فإن احترام الدستور لا يكون عندما يخدم مصالح السياسيين فقط، بل عندما يصبح مرجعية ثابتة فوق الحسابات الشخصية والولاءات الظرفية.
والدعوات التي تستهدف الالتفاف على النصوص الدستورية أو التمهيد لتجاوزها لا تخدم الاستقرار السياسي، بل تضعف الثقة في المؤسسات وتبعث رسائل سلبية حول مستقبل الممارسة الديمقراطية في البلاد.
لقد كان الحوض الشرقي في حاجة إلى مبادرة تطالب بالتنمية، أو بإصلاح الخدمات الصحية والتعليمية، أو بمعالجة مشاكل الأمن والبطالة والفقر، لا إلى مبادرة تجعل من الولاية أول منصة لإطلاق دعوة تتعارض مع الدستور.
فالتاريخ لا يخلد من طالبوا بتمديد السلطة، بقدر ما يخلد من دافعوا عن القانون وعن حقوق المواطنين في التنمية والعدالة والمساواة.
ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه الدعوات من منطقة ما تزال تنتظر نصيبها العادل من المشاريع والاستثمارات، وكأن المطلوب من سكانها أن يكتفوا بالشعارات السياسية بدل المطالبة بحقوقهم المشروعة.
قبل الحديث عن مأمورية جديدة، كان الأجدر الحديث تهميش الولاية، وعن تنمية غائبة، وخدمات متعثرة، ووعود لم تتحول بعد إلى واقع ملموس في الحوض الشرقي.. قبل أن يُكافأ التهميش بالدعوة إلى خرق الدستور
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















