
لم يعد التوتر الأمني على الحدود الموريتانية المالية مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل تحول إلى واقع ثقيل يخنق الحياة اليومية لسكان ولاية الحوض الشرقي، ويهدد استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي بشكل غير مسبوق.
فهذه المنطقة، التي ظلت لقرون تمثل جسراً للتواصل والتبادل بين شعبين شقيقين بمثابة الشعب الواحد، أصبحت اليوم ساحة مفتوحة للأزمات المتراكمة، نتيجة سياسات رسمية قصيرة النظر، وعجز مزمن عن إدارة ملف معقد بحجم العلاقات الحدودية.
لقد بدا واضحاً أن السلطات المتعاقبة في البلدين لم تنجح، بل وربما لم تسعَ بجدية، إلى بناء مقاربة مستدامة تحفظ خصوصية سكان المناطق الحدودية، الذين تربطهم علاقات نسب ومصاهرة وتداخل اقتصادي عميق مع نظرائهم في الجانب المالي.
وبدلاً من احتضان هذه الخصوصية وتحويلها إلى رافعة للتكامل، تم التعامل معها كعبء أمني، ما أسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وإرباك أنماط العيش التقليدية.
ومع تصاعد الأوضاع الأمنية في مالي، شهدت الحوض الشرقي موجات نزوح متتالية، فاقمت الضغط على الموارد المحدودة أصلاً.
ولم تواكب هذه التدفقات البشرية أي استجابة حكومية جادة، بل تُرك السكان المحليون يواجهون وحدهم تبعات أزمة إنسانية مركبة، تتداخل فيها معاناة اللاجئين مع تدهور أوضاع المواطنين.
وهنا تتجلى المفارقة الصارخة، في الوقت الذي تُستغل فيه قضية اللجوء لاستقطاب دعم المنظمات الدولية، يغيب أي أثر ملموس لهذه الموارد على أرض الواقع، سواء في تحسين ظروف اللاجئين أو دعم المجتمعات المضيفة.
أما إغلاق الحدود، الذي يفترض أن يكون إجراءً استثنائياً ومؤقتاً، فقد كشف هشاشة البنية الاقتصادية للمنطقة، وعجز السلطات عن توفير بدائل حقيقية.
إذ أدى هذا القرار الأرعن إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، حيث تضاعفت أسعار الحبوب والتوابل بشكل غير مسبوق، وقفز سعر الفلفل الحار من 800 أوقية قديمة إلى 5000، في مؤشر صادم على اختلال السوق.
ولم تسلم الأعلاف الحيوانية من هذه الموجة، حيث بلغ سعر “الكسرة” القادمة من مالي مستويات قياسية، رافقها ارتفاع في العلف المحلي رغم تدني جودته، في ظل مضاربات وجشع تجاري مكشوف.
الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة تأتي في سياق أوسع من الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن الموريتاني، حيث تتسارع وتيرة الغلاء مع كل أزمة إقليمية أو دولية، بينما تتبنى الدولة خطاباً يحمّل المواطن عبء التكيف، عبر دعوات متكررة للتقشف، وصلت حد المطالبة بالتخلي عن بعض الوجبات اليومية.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً بين نار الغلاء وسندان السياسات المرتبكة.
وتبقى ولاية الحوض الشرقي الخاسر الأكبر في هذه المعادلة المختلة، إذ تعيش وضعاً معيشياً متدهوراً، رغم ما يُعلن من أرقام فلكية مخصصة لتنميتها ودمج اللاجئين.
غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لم تترجم إلى مشاريع ملموسة، ولم تنعكس على تحسين الخدمات الأساسية أو خلق فرص عمل، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول شفافية التسيير وفعالية السياسات العمومية.
في ظل هذا المشهد القاتم، تتعالى مخاوف السكان من انزلاق الوضع نحو الأسوأ، خاصة مع تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، وقرع طبول حرب قد لا تُبقي ولا تذر.
وإذا ما اندلع هذا السيناريو، فإن الحوض الشرقي سيكون، دون شك، في واجهة المتضررين، بل وقوداً أولياً لصراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
ومهما يكن من امر، فإن ما تعيشه الولاية اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمات من الإهمال وسوء التقدير.
وعليه، فإن تدارك الوضع لا يزال ممكناً، شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للإنسان في هذه المنطقة، وتتعامل مع أمنه ومعيشته كأولوية لا تقبل التأجيل أو المساومة.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















