سلوك وزاري يستفز ثقة المواطن ويشوّه المسؤولية

أحد, 05/03/2026 - 18:22

لم يعد ما تشهده الساحة العامة في الآونة الأخيرة مجرد تذمر عابر أو موجة انتقاد ظرفية، بل تحول إلى حالة احتقان حقيقية ومتنامية، تقف وراءها بشكل مباشر ممارسات وتصريحات صادرة عن بعض الوزراء، خرجت بوضوح عن مقتضيات المسؤولية السياسية والأخلاقية.
هذه التصرفات لم تُقابل فقط برفض واسع، بل أثارت استياءً عميقاً لدى المواطنين الذين باتوا أكثر وعياً ويقظة تجاه أداء من يفترض أنهم في موقع القدوة والانضباط.
إن محاولة التقليل من هذا الاستياء أو اختزاله في كونه ردود فعل مبالغ فيها، تعكس قراءة قاصرة لحقيقة المشهد.
فالرأي العام اليوم لم يعد ذلك الكيان الصامت أو القابل للتوجيه بسهولة، بل أصبح فاعلاً، ناقداً، وقادراً على التمييز بين الأداء المسؤول والانزلاقات غير المقبولة.
ومن هنا، فإن الفجوة المتسعة بين سلوك بعض الوزراء وتطلعات المواطنين ليست وهماً، بل واقعاً يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم.
ولعل الأخطر من تلك التصريحات غير المحسوبة أو التصرفات المرتجلة، هو إصرار البعض على الالتفاف على النقد المشروع، عبر تصويره كاستهداف سياسي أو موقف معارض للنظام.
هذا الطرح لا يصمد أمام أي تحليل موضوعي، لأنه يخلط عمداً بين النقد البناء، الذي يهدف إلى تصحيح الأداء، وبين المعارضة السياسية التي لها أدواتها وسياقاتها المختلفة.
فليس كل من انتقد وزيراً معارضاً، وليس كل من عبّر عن استيائه خصماً سياسياً.
إن هذا الخلط لا يخدم سوى محاولة الهروب من المساءلة، ويكشف في جوهره عن ضيق غير مبرر بالنقد.
فالمسؤولية الحكومية ليست امتيازاً شخصياً يُمارس وفق الأهواء، بل هي أمانة ثقيلة تفرض على صاحبها الانضباط في القول والفعل، والوعي بأن كل كلمة تصدر عنه تُقرأ باعتبارها موقفاً رسمياً يعكس صورة الدولة وهيبتها.

وعليه، فإن أي استهانة بهذا الالتزام لا يمكن تبريرها كخطأ عابر، بل تُعد إخلالاً واضحاً بواجبات المنصب.
وفي مقابل هذا الواقع، يبرز تناقض لافت بين النهج المتحفظ والمنضبط الذي يُفترض أنه يطبع أعلى هرم السلطة، وبين سلوك بعض أعضاء الحكومة الذين يبدون وكأنهم يتحركون خارج هذا الإطار، بتصريحات مثيرة أو مواقف غير مدروسة تضعهم في مواجهة مباشرة مع الرأي العام.
هذا التباين لا يمكن تجاهله، بل يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام الجماعي داخل السلطة التنفيذية بخط سياسي وأخلاقي موحد.
المشكلة هنا لا تتعلق بتصيد الأخطاء أو تضخيم الهفوات، بل بغياب ثقافة حقيقية للمساءلة.
فالمسؤول، مهما كان موقعه، يجب أن يدرك أن النقد جزء لا يتجزأ من وظيفته، وأن تقبله للنقد ليس ضعفاً بل دليلاً على نضج سياسي.
أما تحويل النقد إلى تهمة، أو اللجوء إلى القضاء لتكميم الأصوات، أو تصنيفه كفعل معارض، فهو مسار خطير لا يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن ومؤسساته.
لقد تجاوز الرأي العام مرحلة الخطاب التبريري، ولم يعد يقبل محاولات التغطية على الأخطاء أو الالتفاف عليها.
ما يُنتظر اليوم هو سلوك مسؤول، وخطاب متزن، يعكس احتراماً لعقل المواطن وكرامته.

أما الاستمرار في نفس النهج القائم على الاستخفاف أو التبرير، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، وربما إلى تآكل ما تبقى من رصيد الثقة في الأداء الحكومي.
إن المطلوب لم يعد مجرد ضبط التصريحات أو تجنب الزلات، بل مراجعة شاملة للسلوك السياسي والأخلاقي داخل الحكومة.
مراجعة تقوم على إعادة الاعتبار لقيم المسؤولية، واحترام حق المواطن في النقد، والتفريق الواضح بين المعارضة السياسية والنقد المجتمعي المشروع.
ومهما يكن من أمر، فإن الدولة القوية لا تخشى النقد، بل تحتضنه وتستفيد منه كأداة تصحيح وتطوير.
أما الهروب منه أو محاولة قمعه، فلن يؤدي إلا إلى إضعافها من الداخل، وتقويض مصداقيتها أمام مواطنيها.
ويبقى خروج بعض أعضاء الحكومة عن النص في القول والممارسات سلوك وزاري يستفز ثقة المواطن ويشوّه المسؤولية.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر