حكومة الألغاز السياسية

ثلاثاء, 10/13/2026 - 11:33

لم تكن التشكيلة الحكومية الأخيرة مجرد تعديل عابر في أسماء الوزراء، بل بدت أقرب إلى لغز سياسي استعصى على كثير من القراءات التقليدية، وأربك حسابات المحللين الذين اعتادوا البحث عن منطق واضح وراء قرارات التعيين والإقالة.

فبين خروج شخصيات وُصفت بأنها من أقرب أعوان النظام، واستمرار الحديث عن إبعاد وزراء أخفقوا في أداء مهامهم، جاءت التشكيلة محملة بالتناقضات، ومفتوحة على أسئلة أكبر من مجرد تغيير أسماء داخل الحكومة.

فما الذي أراد النظام قوله بهذه التشكيلة؟ وهل نحن أمام إعادة ترتيب للأوراق، أم محاولة لاحتواء تداعيات ملفات حساسة، أم مجرد توزيع جديد للمواقع وفق حسابات لا علاقة لها بالضرورة بالكفاءة والاختصاص؟

إقالات بلا تفسير

ولعل أول ما يلفت الانتباه في التشكيلة الجديدة هو خروج عدد من الوزراء الذين كانوا يُنظر إليهم باعتبارهم من أبرز الشخصيات المقربة من دوائر القرار.

وهي خطوة تبدو، للوهلة الأولى، مناقضة للصورة التي رسمها البعض عن حكومة يُفترض أن تحافظ على أقرب الموالين للرئيس في مواقعهم.

لكن قراءة هذه الإقالات بمعزل عن السياق السياسي الراهن قد تقود إلى استنتاجات متسرعة.

فالتغيير يأتي في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن ملف المدونين، وما أثير حوله من اتهامات بالابتزاز وتسريب المعلومات، إلى جانب ملف حريق محطتي الكهرباء، وما يطرحه من أسئلة تتعلق بالمسؤولية الإدارية والسياسية.

ومع أن تزامن هذه الملفات مع التعديل الحكومي لا يكفي لإثبات وجود علاقة مباشرة بينها، فإن غياب التفسيرات الرسمية الواضحة بشأن بعض الإقالات يترك الباب مفتوحًا أمام التأويلات، ويجعل الرأي العام يتساءل عما إذا كانت المعايير المعتمدة في التغيير تتعلق بتقييم الأداء، أم بحسابات سياسية أوسع.

فإذا كان الهدف هو محاسبة المقصرين، فلماذا لا تُعرض معايير التقييم بوضوح؟ وإذا كان التعديل يهدف إلى تجديد الأداء الحكومي، فما المبرر وراء بعض التعيينات التي لا تبدو منسجمة مع طبيعة القطاعات المسندة إلى أصحابها؟

إن المشكلة ليست في إقالة وزير أو تعيين آخر، فذلك من صلاحيات السلطة التنفيذية، وإنما في أن تتحول القرارات الحكومية إلى ألغاز لا يجد المواطن أمامها سوى التخمين، بينما يفترض أن تكون الكفاءة والمساءلة والنتائج هي العناوين الأكثر وضوحًا في أي تعديل وزاري.

خارج دائرة المحظورات

لا يمكن فهم التشكيلة الجديدة بمعزل عن المناخ السياسي الذي جاءت فيه، خصوصًا في ظل احتمال تعثر مسار الحوار السياسي، وتعدد التوقعات بشأن مخرجاته المحتملة، وما قد تفرضه من مراجعات في العلاقة بين السلطة والمعارضة، وفي شكل إدارة المرحلة المقبلة.

والأكثر دلالة أن النقاش السياسي بدأ يتجاوز، في بعض الدوائر، حدود الحديث عن المأمورية الثالثة، ليتجه نحو أسئلة الترشيح والخلافة وترتيبات ما بعد المرحلة الحالية، وهي موضوعات كانت تثير حساسية واضحة في فترات سابقة، ويواجه الخوض فيها اعتراضات وتحذيرات عليا لدى أطراف داخل المشهد السياسي.

وهذا التحول في طبيعة النقاش يطرح سؤالًا جوهريًا، هل بدأت النخب السياسية تستعد لمرحلة جديدة، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة تموضع مبكرة تحسبًا لاحتمالات لم تتضح معالمها بعد؟

في مثل هذا السياق، تصبح التشكيلة الحكومية أكثر من مجرد فريق إداري يتولى تسيير القطاعات؛ إذ يمكن أن تُقرأ أيضًا باعتبارها أداة لإعادة توزيع النفوذ، وإعادة ضبط العلاقة بين مراكز القوة داخل النظام، وتهيئة المشهد لخيارات سياسية لم يُحسم أمرها بعد.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن هذه هي الأهداف الفعلية للتعديل من دون معطيات موثوقة تؤكدها.

فالتكهنات بشأن مستقبل الحكومة، أو حل البرلمان، أو إعادة تشكيل المؤسسات خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، تظل احتمالات متداولة وليست وقائع محسومة.

لكن المؤكد أن غياب الوضوح بشأن الغايات السياسية من التعديل من خلال حكومة جديدة، يضاعف مساحة الشك، ويجعل كل قرار تعيين أو إقالة مادة جديدة للتأويل.

لغز الاختصاص

إذا كانت الحسابات السياسية قد تفسر جانبًا من التعيينات، فإنها لا تقدم بالضرورة مبررًا مقنعًا للتراجع عن معيار الاختصاص، خصوصًا في القطاعات الحيوية التي ترتبط مباشرة بالخدمات العامة ومصالح المواطنين.

ومن أبرز ما أثار الاستغراب في التشكيلة الجديدة لغز الاختصاص، فمثلا لا الحصر: إسناد حقيبة الشؤون الإسلامية إلى وزير بحار، قبل أن تُسند الحقيبة مؤخرا إلى طبيب في التشكيلة الجديدة، في حين أُسندت وزارة الصحة إلى وزيرة لا علاقة لها بالطب، ووزارة الصيد إلى سيدة لا تبدو لها خلفية مهنية مباشرة في المجال، ووزير للدفاع ليست لديه خلفية عسكرية.

ولا يعني ذلك أن الطبيب هو بالضرورة أفضل من يستطيع إدارة وزارة الشؤون الإسلامية، أو أن الطبيب وحده قادر على قيادة وزارة الصحة، أو أن إدارة قطاع الصيد حكر على المتخصصين في علوم البحار.

فالعمل الوزاري يتطلب كذلك القدرة على الإدارة والتخطيط والتنسيق واتخاذ القرار، وقد ينجح مسؤول في قيادة قطاع لا ينتمي إلى تخصصه الأكاديمي إذا امتلك الخبرة والكفاءة اللازمتين.

لكن هذا التوضيح لا يعفي السلطة من واجب تقديم تفسير مقنع لخياراتها، ولا يجعل مسألة التخصص والخبرة المهنية تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاهله في كل مرة.

فحين يُعيَّن مسؤول في قطاع بعيد عن مساره المهني، يصبح من المشروع السؤال عن مؤهلاته الإدارية وخبرته ذات الصلة، وعن المعايير التي جعلته الخيار الأنسب للمنصب. وحين يتكرر هذا النمط في قطاعات مختلفة، يصبح السؤال أكبر من حالة فردية، ويتحول إلى نقاش حول فلسفة تشكيل الحكومة نفسها.

المشكلة ليست في أن يأتي الوزير من خارج القطاع، بل في أن يصبح الانتماء السياسي أو التوازنات الاجتماعية بديلًا عن إثبات الكفاءة والقدرة على الإنجاز.

أما إذا كان معيار الاختيار هو الولاء أو التوازنات القبلية والطائفية أو إرضاء مراكز النفوذ، فإن الحديث عن الإصلاح الإداري وتحديث الدولة يفقد جزءًا كبيرًا من معناه، لأن المؤسسات لا تُبنى بمجرد تبديل شاغلي المناصب، وإنما بإرساء قواعد واضحة لاختيارهم ومحاسبتهم.

المحاصصة

ليس من الإنصاف التعامل مع تأثير الاعتبارات القبلية والاجتماعية والسياسية في تشكيل الحكومات الموريتانية باعتباره ظاهرة جديدة أو طارئة؛ فهذه الاعتبارات حضرت طويلًا في حسابات التمثيل السياسي، وظلت جزءًا من النقاش العام حول توزيع المسؤوليات والمناصب.

غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتقدم هذه الاعتبارات على معايير الكفاءة، أو تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بحيث يصبح السؤال عن الجهة التي ينبغي إرضاؤها أكثر حضورًا من السؤال عن الشخص القادر على إدارة القطاع وتحقيق النتائج المطلوبة.

وعندها، لا تعود الحكومة فريقًا متجانسًا يعمل وفق برنامج واضح، بل تتحول إلى فسيفساء من التوازنات، يحتاج كل جزء منها إلى حسابات خاصة، فيما تتراجع المسؤولية الجماعية أمام الاعتبارات التي جاءت بأصحاب المناصب.

وفي ظل هذا المنطق، قد يُمنح قطاع حيوي لشخص لا يمتلك الخبرة المناسبة، لا لأن السلطة تجهل أهمية التخصص، بل لأن اعتبارات أخرى تكون قد حسمت الاختيار مسبقًا.

وهنا تكمن المفارقة: تتحدث الحكومات عن إصلاح الإدارة، وترشيد الإنفاق، وتحسين الخدمات، ومحاربة الفساد، بينما تظل آليات اختيار بعض المسؤولين نفسها موضع تساؤل.

فكيف يمكن مطالبة الإدارة بالكفاءة إذا لم تكن الكفاءة معيارًا واضحًا في قمة الهرم التنفيذي؟ وكيف يمكن محاسبة الموظف على نتائج عمله، إذا كان الوزير نفسه قد وصل إلى موقعه وفق اعتبارات لا تُعلن معاييرها ولا تُقاس نتائجها؟

إن المحاصصة، حين تتغلب على منطق الدولة، لا تضر فقط بجودة التعيينات، بل تُضعف أيضًا ثقة المواطنين في المؤسسات، وتدفعهم إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى المسؤولية يرتبط بالانتماءات وشبكات النفوذ أكثر مما يرتبط بالقدرة على الإنجاز.

حكومة أسابيع أم بداية مرحلة؟

تتردد في الأوساط السياسية توقعات بشأن احتمال إجراء تغييرات جديدة قد تشمل الحكومة والبرلمان خلال فترة قريبة.

وقد تكون هذه التوقعات انعكاسًا لقراءة المناخ السياسي، أو استنتاجًا من طبيعة التشكيلة الحالية، لكنها تظل رهينة تطورات المرحلة وقرارات السلطة.

ومع ذلك، فإن الطريقة التي تشكلت بها الحكومة تفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل صُممت هذه التشكيلة لتكون فريقًا حكوميًا قادرًا على تنفيذ برنامج متكامل خلال فترة طويلة، أم أنها جاءت لتدبير مرحلة انتقالية داخل المشهد السياسي، إلى حين اتضاح مآلات الحوار وترتيبات المرحلة المقبلة؟

إذا كانت الحكومة تستهدف تنفيذ برنامج إصلاحي واضح، فإن ذلك يقتضي انسجامًا بين أعضائها، وتوزيعًا منطقيًا للمسؤوليات، وأهدافًا قابلة للقياس، ومحاسبة على النتائج.

أما إذا كانت التشكيلة تعكس تسوية مؤقتة بين مراكز النفوذ، فإن احتمال إعادة ترتيبها لاحقًا سيظل حاضرًا في التحليل، من دون أن يعني ذلك أن حل البرلمان أو تغيير الحكومة في موعد محدد أصبح أمرًا محسومًا.

وفي الحالتين، فإن أكبر ما تحتاج إليه البلاد ليس حكومة جديدة كلما تغيرت الحسابات، بل استقرارًا مؤسسيًا يقوم على وضوح المسؤوليات، واستمرارية السياسات الناجحة، وربط المناصب بالقدرة على تقديم نتائج ملموسة.

تغيير الأسماء 

وتكشف التشكيلة الحكومية الأخيرة عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف الآراء بشأن أسماء الوزراء.

إنها تعيد إلى الواجهة سؤال المعايير التي تحكم توزيع المسؤوليات في الدولة، ومدى حضور الكفاءة والخبرة في مقابل الاعتبارات السياسية والاجتماعية.

كما أن تزامن التعديل مع ملفات حساسة، وتزايد النقاش بشأن مستقبل المرحلة السياسية، يجعلان من الضروري قراءة القرارات الحكومية ضمن سياقها العام، من دون تحويل الاحتمالات إلى حقائق أو التعامل مع التكهنات باعتبارها أدلة.

أما التناقضات الظاهرة في توزيع بعض الحقائب، فهي تفرض على السلطة أن تقدم للرأي العام تفسيرًا أكثر وضوحًا لخياراتها، وأن تُظهر كيف ستنعكس هذه التعيينات على أداء القطاعات المعنية.

ومهما يكن من أمر، فإن المواطن الموريتاني لا ينتظر مجرد تبديل الوجوه، ولا تعنيه كثيرًا لعبة الكراسي بحد ذاتها؛ ما يعنيه هو أن يجد ماءً في منزله، وعلاجًا في المستشفى، وتعليمًا جيدًا لأبنائه، وإدارة تحترم القانون، ومسؤولًا يُحاسَب عندما يفشل، ويُكافأ عندما ينجح.

فالحكومة لا تُقاس بمن غادرها ومن دخلها، ولا بعدد التوازنات التي نجحت في استيعابها، وإنما بما تستطيع إنجازه، وبمدى احترامها لمبدأ الكفاءة والمساءلة.

وإذا ظلت التعيينات تُقرأ باعتبارها رسائل سياسية وتوزيعًا للحصص أكثر مما تُقرأ باعتبارها اختيارات لخدمة المواطنين، فإن كل حكومة جديدة ستعيد إنتاج الأسئلة نفسها، حتى لو تغيرت جميع الأسماء، وستبقى حكومة الألغاز السياسية.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر