حين يصبح الغلاء سعراً رسمياً

خميس, 09/03/2026 - 15:12

لم يكن المواطن الموريتاني ينتظر من وزارة التنمية الحيوانية أن تمنحه سقفاً جديداً لأسعار اللحوم، بقدر ما كان ينتظر منها أن تضع حداً حقيقياً لغلاءٍ أصبح يلتهم دخله المحدود، ويحوّل كيلوغرام اللحم من مادة غذائية أساسية إلى سلعة شبه كمالية لا تستطيع كثير من الأسر شراءها إلا على فترات متباعدة.

فأن تعلن السلطات تسقيف سعر كيلوغرام من لحوم الإبل والأبقار عند 3000 أوقية قديمة، ولحوم الأغنام و«الفلكة» عند 3700 أوقية قديمة، ثم تقدم القرار باعتباره حماية للقدرة الشرائية للمواطن، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مفهوم «الحماية» نفسه:

هل حماية المواطن تعني تحديد سقف مرتفع لسعر سلعة أساسية، أم تعني جعل هذه السلعة في متناول موظف محدود الدخل وعامل بسيط وأسرة تعيش على راتب قد لا يتجاوز في كثير من الحالات 100 ألف أوقية قديمة شهرياً؟

أي حماية للمواطن براتب لا يصل إلى 100 ألف؟

لنضع الأرقام جانباً للحظة، ولننظر إلى واقع الأسرة الموريتانية.

موظف يتقاضى أقل من 100 ألف أوقية قديمة شهرياً يواجه فاتورة السكن، والماء والكهرباء، والنقل، والتعليم، والعلاج، والملابس، والغذاء، ومصاريف الأطفال، فضلاً عن الالتزامات الاجتماعية التي لا يمكن للموريتاني التخلص منها.

فماذا يتبقى له بعد ذلك؟

وعندما يصبح كيلوغرام اللحم بـ3000 أو 3700 أوقية قديمة، فإن الحديث عن «حماية القدرة الشرائية» يحتاج إلى مراجعة جدية. فالمشكلة ليست فقط في سعر الكيلوغرام، وإنما في الفجوة الهائلة بين الأسعار ومستوى الأجور والدخل.

المواطن لا يعيش على البيانات الحكومية، ولا يشتري حاجياته من قاعات الاجتماعات.

إنه يذهب إلى السوق بمال محدود، ويعرف جيداً كم بقي في جيبه بعد دفع الإيجار وفاتورة الكهرباء ومصاريف الأطفال.

ومن هنا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو:

هل تم تحديد سقف أسعار اللحوم بناءً على القدرة الشرائية للمواطن، أم بناءً على حسابات المنتجين والجزارين وبقية المتدخلين في السوق؟

السقف الذي يخشى المواطن أن يتحول إلى أرضية

ولعل المفارقة الأكبر أن التسقيف، إذا لم يُبنَ على دراسة دقيقة للسوق وقدرة المستهلك، يمكن أن يتحول من وسيلة لمحاربة الغلاء إلى غطاء رسمي لسعر كان المواطن يعتبره مرتفعاً أصلاً.

فالخطر الحقيقي أن ينظر المتعاملون في السوق إلى السعر الحكومي باعتباره السعر المرجعي الجديد، لا باعتباره حداً أقصى استثنائياً.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل خفّضنا الأسعار فعلاً، أم منحنا الغلاء رقماً رسمياً؟

إن المواطن الذي كان يشكو من ارتفاع أسعار اللحوم لا يحتاج إلى أن تقول له الدولة إن السعر الرسمي هو 3000 أوقية قديمة؛ بل يحتاج إلى أن يشعر في جيبه بأن الأسعار أصبحت أقل، وأن راتبه أصبح قادراً على شراء كمية أكبر من الغذاء.

أما تغيير الرقم على الورق، مع بقاء الدخل ضعيفاً وتكاليف الحياة في ارتفاع، فلن يغير كثيراً من الواقع المعيشي.

نواكشوط ليست جزيرة معزولة عن أزمة البلاد

الأخطر أن أزمة اللحوم لا يمكن فصلها عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي تعيشها البلاد.

فنواكشوط تشهد منذ سنوات تدفقاً متواصلاً للسكان القادمين من الولايات الداخلية، بحثاً عن العمل والتعليم والعلاج والماء والخدمات الأساسية.

وهذه الهجرة ليست في جوهرها اختياراً سياحياً أو ترفاً اجتماعياً، وإنما هي في كثير من الحالات هجرة اضطرارية فرضها اختلال التنمية وغياب الفرص والخدمات في الداخل.

لقد أصبحت العاصمة تستقبل آلاف المواطنين الباحثين عن فرصة عمل، أو مدرسة أفضل لأطفالهم، أو مستشفى، أو ماء صالح للشرب، أو خدمة إدارية، بينما تظل مناطق واسعة من البلاد تعاني نقصاً في أبسط مقومات الحياة.

وهكذا تتضخم نواكشوط، وتتزايد أحياؤها العشوائية، ويرتفع الضغط على النقل والسكن والمياه والكهرباء والصحة والتعليم، بينما تبقى التنمية متمركزة في مساحة جغرافية ضيقة.

عندما تُجمع المؤسسات في العاصمة ثم نسأل: لماذا يهاجر الناس؟

من غير المنطقي أن نطلب من المواطن البقاء في ولايته الداخلية بينما نضع معظم المؤسسات والفرص الاقتصادية والخدمات الكبرى في نواكشوط.

كيف نريد إيقاف الهجرة الداخلية ونحن لم نخلق بديلاً عنها؟

كيف نطلب من الشاب في الحوض الشرقي أو الحوض الغربي أو لعصابة أو تكانت أو كوركول أو لبراكنة أو الترارزة أن يبقى في منطقته، بينما فرص العمل والمؤسسات والخدمات الجامعية والصحية والإدارية والاقتصادية تتركز في العاصمة؟

إن معالجة الهجرة الداخلية لا تكون بالخطابات، ولا بالمهرجانات، ولا بزيارة مسؤول إلى هذه الولاية أو تلك.

معالجتها تبدأ من نقل التنمية نفسها إلى الداخل.

وزارات ومؤسسات إنتاجية، مصانع، شركات، مشاريع زراعية وحيوانية، مراكز صحية حقيقية، مؤسسات تعليمية قوية، طرق، مياه، كهرباء، وأسواق منظمة.

أما ترك كل شيء في كلم مربع بنواكشوط ثم مطالبة المواطنين بعدم الهجرة إليها، فهو أشبه بمن يغلق جميع الأبواب أمام سكان الداخل ثم يلومهم لأنهم طرقوا باب العاصمة.

أزمة اللحوم ليست أزمة جزارين فقط

ومن الخطأ اختزال ارتفاع أسعار اللحوم في الجزار وحده.

فالسلسلة تبدأ من المنمي، مروراً بالأعلاف والمياه والرعاية البيطرية والنقل والأسواق، وصولاً إلى المسلخ والجزار والمستهلك، ولا تنتهي عند الفساد في القطاع الوصي.

وإذا كانت الدولة تريد بالفعل خفض السعر، فعليها أن تذهب إلى جذر المشكلة، لا أن تكتفي بالوقوف عند نهايتها.

لماذا ترتفع تكلفة تربية المواشي؟

لماذا لا تتوفر الأعلاف بأسعار مناسبة في أوقات الأزمات والجفاف والمشاكل الحدودية؟

لماذا يظل النقل مكلفاً؟

كيف يتم تحديد هوامش الربح في مختلف حلقات سلسلة التسويق؟

هل توجد مضاربات؟

هل توجد احتكارات؟

هل توجد اختلالات في أسواق المواشي؟

وهل توجد بيانات دقيقة وشفافة تسمح للمواطن بمعرفة كيف انتقل الحيوان من المنمي إلى السوق، وكيف تضاعف سعره في كل مرحلة؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

أما إصدار قرار بالتسقيف لمدة شهر، ثم إرسال فرق للرقابة، فهو قد يهدئ الغضب مؤقتاً، لكنه لا يبني سياسة دائمة.

شهر واحد لا يكفي لإصلاح سوق مختل

الأكثر إثارة للقلق أن التسقيف مؤقت.

لكن ماذا بعد انتهاء الشهر؟

هل يعود السوق إلى الفوضى؟

هل تعود الأسعار إلى الارتفاع؟

هل تعود الوزارة إلى اجتماع جديد؟

هل نشهد سقفاً جديداً، 5000 آلاف قديمة مثلا؟

وهل يصبح المواطن أمام مسلسل لا ينتهي من القرارات المؤقتة؟

الاقتصاد لا يُدار بمنطق ردود الأفعال، والسوق يحتاج إلى سياسة مستدامة، لا إلى مسكنات مؤقتة.

وإذا كانت الوزارة نفسها تتحدث عن دراسة آلية مستدامة لتنظيم الأسعار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تكن هذه الآلية جاهزة قبل الوصول إلى الأزمة؟

أين المستهلك في كل هذه المعادلة؟

نعم من حق المنمي أن يحصل على سعر عادل.

ومن حق الجزار أن يغطي تكاليفه ويحقق هامش ربح معقولاً.

لكن من حق المواطن أيضاً أن يحصل على غذاء بأسعار تتناسب مع دخله، وأن لا يكون هو الحلقة الأضعف دائماً، يدفع تكلفة الأعلاف، والنقل، والرسوم، والمضاربة، وارتفاع الأسعار، ثم يذهب إلى السوق ليجد نفسه مطالباً بدفع النتيجة النهائية لكل هذه الاختلالات.

وهنا ينبغي أن تكون للدولة شجاعة الاعتراف بأن حماية المستهلك لا تعني فقط مراقبة الميزان، وإنما حماية قدرته على الشراء.

فماذا يعني أن يكون السعر قانونياً إذا كان المواطن عاجزاً عن دفعه؟

الحل ليس في التسقيف وحده

إذا كانت الحكومة تريد فعلاً خفض أسعار اللحوم، فهناك طريق أكثر جدية من القرارات المؤقتة.

يجب تخفيض تكاليف الإنتاج، وتحسين توفير الأعلاف، ودعم صحة المواشي، وتطوير شبكات المياه في مناطق الإنتاج، وتحسين الطرق والنقل، وتنظيم الأسواق، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وضمان المنافسة، وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك بطريقة أكثر كفاءة.

وفي الوقت نفسه، يجب العمل على رفع دخل المواطن.

لأن معالجة الأسعار من جهة، وترك الأجور ضعيفة من جهة أخرى، تعني أن المشكلة ستظل قائمة.

فحتى لو ثبت سعر اللحم، فإن المواطن سيظل يعاني إذا كان دخله لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية.

البطالة.. الوجه الآخر للأزمة

ولا يمكن الحديث عن القدرة الشرائية من دون الحديث عن البطالة.

الشاب الذي لا يجد عملاً لا تعنيه كثيراً البيانات المتعلقة بسقف أسعار اللحوم؛ لأنه ببساطة لا يمتلك دخلاً أصلاً.

وهنا تعود القضية إلى سؤال التنمية مرة أخرى.

أين المؤسسات الاقتصادية في الداخل؟

أين المصانع؟

أين الاستثمارات؟

أين المشاريع التي تستطيع خلق وظائف خارج نواكشوط؟

إن تركيز المؤسسات والوظائف والخدمات في مساحة بالعاصمة خلق ضغطاً سكانياً واقتصادياً هائلاً، وحوّل نواكشوط إلى مغناطيس يجذب كل من يبحث عن فرصة، في حين تتراجع الولايات الداخلية وتفقد جزءاً متزايداً من طاقاتها البشرية.

المطلوب سياسة لا حملة إعلامية

المواطن لا يريد أن يسمع كل شهر عن لجنة جديدة أو اجتماع جديد أو سقف جديد.

إنه يريد نتائج.

يريد أن يذهب إلى السوق ويشتري حاجياته دون أن يضطر إلى حساب كل أوقية.

يريد راتباً يتناسب مع تكاليف الحياة.

يريد وظيفة.

يريد مستشفى قريباً من منزله.

يريد مدرسة جيدة لأطفاله.

يريد ماءً وكهرباء وطرقاً في مدينته وقريته.

ويريد أن تكون التنمية موزعة على جميع أنحاء البلاد، لا محصورة في العاصمة.

لا تجعلوا المواطن يدفع ثمن فشل السياسات

إن تسقيف أسعار اللحوم يمكن أن يكون خطوة مفيدة إذا كان جزءاً من سياسة شاملة ومدروسة، لكنه يصبح مجرد مسكن مؤقت إذا لم يعالج جذور الأزمة.

فالمشكلة ليست في الرقم 3000 أو 3700 أوقية قديمة وحده.

المشكلة في انخفاض الدخل، وضعف الأجور، والبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، واختلال التنمية، وتركز المؤسسات في العاصمة، والهجرة الداخلية، وغياب سياسة متكاملة لحماية المستهلك.

ولذلك فإن الحكومة مطالبة بأن تجيب بوضوح عن سؤال المواطن:

ماذا يعني أن تحدد الدولة سقفاً لسعر اللحم إذا كان المواطن نفسه لا يملك الدخل الذي يسمح له بشرائه؟

إن المطلوب ليس سقفاً للغلاء فحسب، بل سقفاً للفقر، وسقفاً للبطالة، وسقفاً لارتفاع تكاليف المعيشة، وسقفاً لتركز التنمية في نواكشوط.

فالدولة التي تريد حماية المواطن لا تكتفي بأن تقول له، بأنها لن تسمح للبائع بتجاوز هذا السعر.

بل عليها أن تقول له أيضاً، سنرفع دخلك، ونخلق لك فرصة عمل، ونوفر لك الخدمات في ولايتك، وننقل التنمية إلى منطقتك، ونضمن لك سوقاً عادلة تستطيع فيها أن تشتري غذاءك بكرامة.

أما أن يبقى المواطن محدود الدخل، مرتفع النفقات، محاصراً بالبطالة وغلاء المعيشة، ثم يُطلب منه الاحتفال بسقف جديد لأسعار اللحوم، فذلك ليس حلاً للأزمة، وإنما إدارة للغضب وتأجيل للمشكلة.

ومهما يكن من أمر، فإن الدولة القوية ليست التي تستطيع إصدار قرار بتسقيف الأسعار، وإنما التي تستطيع معالجة الأسباب التي جعلت المواطن أصلاً عاجزاً عن تحملها، خاصة حين يصبح الغلاء سعراً رسمياً.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر