حين يُزاح العلم الوطني.. الانزلاق الخطير نحو شرعنة الانقسام

أحد, 04/26/2026 - 17:23

في سابقة من نوعها، أقدم رئيس حركة أفلام حبيب صال، على رفع علم بدل العلم الوطني في استقبال نظمه أنصار الحركة، وسمحت به سلطات نواكشوط .

إن ما حدث لا يمكن تلطيفه ولا تغليفه بعبارات دبلوماسية فضفاضة؛ فنحن أمام سلوك يحمل في جوهره استخفافًا صريحًا بفكرة الدولة نفسها، قبل أن يكون مجرد خرق للبروتوكول أو خروج عن الأعراف.

إن الإقدام على رفع علم طائفي بدل العلم الوطني، وفي مناسبة علنية وبمرأى من الجميع، ليس تفصيلاً هامشيًا يمكن تجاوزه، بل رسالة مشحونة بدلالات سياسية واجتماعية خطيرة.

فالعلم الوطني ليس مجرد رمز شكلي يُرفع في المناسبات، بل هو التعبير الأعلى عن وحدة البلاد وسيادتها، وعندما يتم استبداله براية تمثل فئة بعينها، فإن ذلك لا يعني فقط تفضيل هوية جزئية على حساب الهوية الجامعة، بل يعني عمليًا التشكيك في تلك الهوية الجامعة نفسها.

هذا الفعل، مهما حاول البعض تبريره أو التقليل من شأنه، يضرب في العمق فكرة الانتماء الوطني المشترك، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف الولاء على أسس ضيقة وخطيرة.

ولعل الأخطر من الفعل ذاته هو السياق الذي جرى فيه، وهو أن يتم هذا السلوك في استقبال منظم، وبحضور أنصار، وتحت سمع وبصر السلطات، يضفي عليه طابعًا شبه رسمي، أو على الأقل يعطي الانطباع بأنه مقبول أو متسامح معه.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي، عندما تتحول الرموز السيادية إلى مادة قابلة للتأويل والتجاوز دون ردع، فإن الدولة ترسل إشارة ضعف، وتفتح المجال أمام كل أشكال التمرد الرمزي.

لا يمكن قراءة رفع علم فئوي في الفضاء العام بمعزل عن تداعياته المستقبلية.

فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة بدأت برموز وشعارات، وانتهت بانقسامات حادة وصراعات مفتوحة.

فحين تتقدم الهويات الفرعية إلى الواجهة، وتتراجع الهوية الوطنية إلى الخلف، فإن المسار يصبح واضحًا، حتى وإن لم يُعلن صراحة، تفكيك تدريجي للنسيج الاجتماعي، وتآكل لفكرة الدولة الواحدة.

ثم إن هذا السلوك يحمل في طياته استفزازًا واضحًا لبقية مكونات المجتمع.

فالمواطن الذي يرى في العلم الوطني رمزًا لوحدته وكرامته، كيف يُطلب منه تقبل مزاحمته برايات أخرى؟ وكيف يمكن إقناعه بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، بينما تسمح، ولو بالصمت، بمثل هذه الممارسات؟

المسؤولية هنا مزدوجة، فمبدأ الوحدة يقتضي تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية كاملة، ومن جهة أخرى، اجراءات ردعية من السلطات التي اختارت حتى الآن الصمت أو التغاضي، وهو موقف لا يقل خطورة.

لأن التغاضي لا يعني الحياد، بل يُفهم غالبًا كقبول ضمني، أو عجز عن فرض احترام القواعد الأساسية التي تقوم عليها الدولة.

أما الحديث عن الحوار والتوافق، فإنه يفقد معناه عندما يُبنى على أرضية مهزوزة.

لا يمكن لحوار وطني أن يكون جادًا إذا لم ينطلق من مسلّمات واضحة، أولها احترام الرموز السيادية وعدم المساس بها.

فالحوار ليس مساحة لتبادل المجاملات أو استرضاء الأطراف الأكثر صخبًا، بل إطار لترسيخ الثوابت المشتركة، وفي مقدمتها وحدة الدولة.

ومهما يكن من أمر فإن ما جرى ليس حادثة عابرة يمكن طيّها مع الزمن، بل مؤشر مقلق على اتجاهات ينبغي التعامل معها بحزم ووضوح.

وحدة المجتمع ليست أمرًا مضمونًا بشكل تلقائي، بل هي نتيجة توازن دقيق يتطلب وعيًا ومسؤولية من الجميع.

وأي تساهل مع الرموز الفئوية على حساب الرمز الوطني ليس مجرد خطأ، بل خطوة أولى في مسار يصعب التراجع عنه إذا تُرك دون تصحيح.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر