مصنع النعمة للألبان.. مشروع يبتلع المليارات ويعيد إنتاج الفشل

ثلاثاء, 05/19/2026 - 09:35

منذ الإعلان عن إنشاء مصنع الألبان بمدينة النعمة، قُدم المشروع للرأي العام باعتباره خطوة استراتيجية للنهوض بالثروة الحيوانية، ودعم المنمين، وخلق قيمة مضافة للألبان المحلية في واحدة من أكبر الولايات الرعوية في البلاد.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان عكس ذلك تماما، حيث تحول المشروع إلى نموذج صارخ للهدر والفساد وسوء التسيير، حتى بات اسمه مرادفا للفشل الإداري والعبث بالمال العام.
لقد كان المشروع منذ البداية مثيرا للاستغراب، سواء من حيث فكرته الاقتصادية المرتبكة، أو من حيث حجم التمويلات التي ضُخت فيه مقارنة بالنتائج الهزيلة التي حققها.
فمن غير المنطقي أن يُطلب من المنمين بيع اللبن الطبيعي الصافي بأسعار زهيدة، ليُعاد إليهم لاحقا بعد خلطه بمساحيق الحليب الصناعي والنكهات الكيماوية، في عملية لا تضيف قيمة حقيقية للمنتج المحلي، بل تفرغه من معناه وجودته، وتضرب في الصميم فلسفة دعم الإنتاج الوطني.
وما يزيد من غرابة المشروع أن تمويله الأصلي جاء عبر قرض من بنك هندي، لا تزال الحكومات المتعاقبة تسدد أقساطه حتى اليوم، بينما توقف المصنع عمليا بعد أشهر قليلة من انطلاقته.
لقد تعطل “حماره” مبكرا، قبل أن يحقق أي أثر اقتصادي أو تنموي يبرر كل تلك الدعاية والتمويلات الضخمة.
والأسوأ من ذلك أن الحديث عن تهريب وبيع بعض معداته إلى مصانع في نواكشوط ظل يتردد لسنوات دون أن تتحرك الجهات الرقابية أو تفتح تحقيقا جادا يكشف للرأي العام أين ذهبت معدات مصنع موّل من أموال الشعب.
حتى أكياس التعبئة التي قيل إنها كانت تُملأ في نواكشوط بدل المصنع نفسه، لم تحرك ساكنا لدى السلطات الوصية، وكأن الأمر يتعلق بمشروع خاص لا بمؤسسة عمومية أنفقت عليها الدولة المليارات.
أما الموارد البشرية، فقد شكلت بدورها وجها آخر من أوجه العبث، حيث ظل عدد من العمال والموظفين يتقاضون رواتبهم لسنوات، رغم أن بعضهم لم يزر الولاية أصلا، في مشهد يجسد ثقافة الريع والمحسوبية التي تنخر المؤسسات العمومية.
وقد لخص العالم ألبرت أينشتاين هذه الحالة بدقة حين قال: “الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بالطريقة نفسها وانتظار نتائج مختلفة.”
فبدل فتح تحقيق شفاف حول أسباب انهيار المشروع الأول، ومحاسبة المتورطين في تبديد المال العام، اختارت الجهات المستفيدة من هذا الفشل الضغط على الحكومة لإعادة تمويل المصنع من جديد، وكأن المطلوب ليس إنقاذ المشروع، بل إنقاذ شبكة المنتفعين منه.
وهكذا عادت الدولة لضخ الأموال في المشروع، فعادت معه الوعود والشعارات نفسها، دون مراجعة حقيقية للأخطاء السابقة.
لكن النتيجة لم تختلف كثيرا، إذ بدأ المصنع بتوزيع كميات محدودة من الألبان لا تتناسب إطلاقا مع حجم التمويلات الجديدة، ولا مع ما يُنفق عليه من دعم وتجهيزات ورواتب.
واليوم، وبعد ظهور مؤشرات واضحة على تعثره مجددا، وتصاعد المخاوف من تكرار سيناريو اختفاء المعدات وتوقف النشاط، خرج وزير التنمية الحيوانية أمام البرلمان ليعلن تخصيص نحو 1.7 مليار أوقية قديمة لتجديد معدات المصنع، في محاولة لتفادي توقفه النهائي.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى متى ستظل الدولة تمول الفشل؟ وإلى متى سيبقى المال العام رهينة مشاريع تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية التنمية؟ فالمشكلة لم تعد في نقص التمويل، بل في غياب المحاسبة، وانعدام الرقابة، وتحول بعض المشاريع العمومية إلى قنوات مفتوحة لاستنزاف الأموال تحت عناوين تنموية براقة.
إن مصنع النعمة للألبان لم يعد مجرد مشروع متعثر، بل أصبح عنوانا لسياسات فاشلة تقوم على إعادة تدوير الفساد، وتغليب مصالح قلة مستفيدة على حساب شعب يعاني الفقر وارتفاع الأسعار وغياب الخدمات الأساسية.
وأي تمويل جديد لا يسبقه تحقيق شفاف ومحاسبة صارمة للمسؤولين عن الإخفاقات السابقة، لن يكون سوى ضخ جديد للأموال في حفرة بلا قاع.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر