موريتانيا وإرث ولد الطايع… زمنٌ لم يَطوِه الغياب بعد

جمعة, 11/28/2025 - 16:38

لم تكن سنوات حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع مجرد فصل عابر في التاريخ السياسي الموريتاني، بل أصبحت، كما يرى خصومه ومتابعون للشأن العام، مرحلةً تَرسّبت فيها اختلالات بنيوية ما زالت البلاد تجابه تبعاتها إلى اليوم.

فعلى مدى أكثر من عقدين، تشكّل زمنٌ سياسي قائم على ممارسات وُصفت بأنها أضعفت الدولة، وزرعت انقسامات اجتماعية، وفتحت الباب واسعا أمام ثقافة فساد لم تتم مراجعته بعد.

غياب المحاسبة… أصل الداء

يُجمع منتقدو تلك المرحلة على أن استشراء الفساد لم يكن مجرد انزلاق عابر، بل نتيجة طبيعية لغياب مبدأ المحاسبة.

ففي ظل غياب الرقابة واحتكار القرار داخل دوائر ضيقة، تَطبعُ المشهدَ الإداري ثقافةُ “الولاء قبل الكفاءة”، وهي ثقافة ما زالت، بحسب هؤلاء، تلقي بظلالها على مؤسسات الدولة إلى اليوم.

لقد تأسست خلال تلك الحقبة شبكات مصالح ضيقة، احتكرت الفرص والامتيازات، وأقصت الكفاءات، ورسّخت نمطا ريعيا مغلقا لا تتحرك امتيازاته إلا في اتجاه دائرة المقرّبين.

وبذلك تحوّل المال العام، وفق رواية منتقدي الحقبة، إلى أداة تمكين سياسي واجتماعي بدل أن يكون رافعة للتنمية.

إرث ثقيل… ونظام لا يغيب

ورغم مضيّ عقدين على الإطاحة بالرئيس ولد الطايع، فإن كثيرين يرون أن منهج الحكم الذي ترسّخ آنذاك ما زال حاضرا في أداء الأنظمة اللاحقة.

فغياب المراجعة الجدية لملفات تلك المرحلة، واستمرار بعض رموزها في الواجهة، يُقرأ في نظرهم كنوع من الحماية غير المعلنة، بل وكقدر من التواطؤ الصامت الذي يعيق أي مسار إصلاحي حقيقي.

الفوارق الاجتماعية… وجرح لم يلتئم

لم تكن الاتهامات الموجّهة لنظام ولد الطايع محصورة في ملفات الفساد فحسب، بل امتدت، بحسب خصومه، إلى تعزيز البُنى التقليدية الضيقة، القبلية، الجهوية، والتمييز الاجتماعي. وبدل الاتجاه نحو بناء دولة مواطنة، تعمقت الفوارق بين المناطق والطبقات، وبرز شعور عام بأن العدالة غائبة، وأن الدولة تُدار بمنطق الزبونية.

وهنا تتجسد أكبر الإشكالات، جرح الإرث الإنساني الذي لا يزال مفتوحا، والملفات العالقة التي لم تجد طريقها بعد إلى الحقيقة أو جبر الضرر.

لماذا لا تزال الملفات مغلقة؟

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: لماذا يُطلب من الشعب نسيان تلك المرحلة دون محاسبة؟ ولماذا لا يزال الحديث عن مراجعة ذلك الإرث يُواجَه بالصمت أو التأجيل؟

فالجرائم السياسية والاقتصادية، كما يرى المنتقدون، لا تسقط بالتقادم، والعدالة الانتقالية ليست ترفا بل ضرورة لضمان عدم تكرار الماضي.

تكرار الأخطاء… حين يصبح الماضي مستقبلًا

الفساد الذي لا يُحاسَب يعيد إنتاج نفسه، وهذه الحقيقة، التي يسوقها كثير من المراقبين، تبدو واضحة في تكرار أنماط الحكم ذاتها: ذات الشبكات، ذات الامتيازات، وذات المنظومة التي تُعيد إنتاج الاختلالات بدل تصحيحها.

وبهذا المعنى، لم تخرج موريتانيا بالكامل من ظل تلك المرحلة، بل ما زالت آثارها تحكم الكثير من التفاصيل اليومية في العمل العمومي.

مواجهة الماضي لبناء المستقبل

اليوم، ومع تراكم السنين، يبدو فتح ملفات تلك الحقبة ضرورة تاريخية، ليس بروح الانتقام، بل بروح ترميم الدولة وطي صفحة ثقيلة لم تُقْرَأ بعد.

فموريتانيا التي تطمح إلى التغيير لا يمكن أن تتقدم دون مصارحة شجاعة مع تاريخها السياسي، ودون معالجة جذرية لملفات الفساد، والانتهاكات، وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب.

لقد آن الأوان لأن تتحول الذاكرة المؤلمة إلى درس وطني، لا إلى عبء صامت.

فالأمم لا تنهض إلا عندما تواجه ماضيها بشجاعة، وتمنح مواطنيها الثقة في أن الدولة ليست سلعة تُمنح، بل حق يُصان.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر