مدينة أمرج.. ملحمة التأسيس بين أنياب السباع وعزائم الرجال

اثنين, 02/16/2026 - 13:34

من بين رمال الشرق الموريتاني، في ربوع أمرج التابعة لولاية الحوض الشرقي، تشرق صفحة ناصعة من تاريخ البطولة والعمران، خطّها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فحوّلوا أرضًا كانت مرتعًا للسباع وموطنًا للوحوش الضارية إلى حاضرة عامرة تُذكر بالخير ويُشاد بأهلها في كل محفل.

لقد كانت بطحاء أمرج قديمًا أرضًا موحشة، تضرب فيها الأسود بأطنابها، وتصول فيها الذئاب والضواري بلا رادع، حتى غلب عليها اسم “حواص”؛ إذ لم يكن من يقيم بها يأمن على نفسه أو ماله أو ولده، فكل من بقي في ناحيتها كان عرضة للافتراس، وكأن الأرض قد كُتبت للسباع دون البشر.

وفي قلب تلك الفلاة انتصبت شجرة عظيمة عُرفت باسم “أڭَناتة”، شامخة الجذع، وارفة الظلال، لكنها كانت في آنٍ معًا وكرًا للأسود الشرسة، تتخذ من جذورها ومغاراتها مأوى، حتى غدت معلمًا جغرافيًا ورمزًا لرهبة المكان، شاهدةً على قرون من الصراع بين الإنسان والطبيعة، إلى أن سقطت قبل أعوام، بعد أن أدّت شهادتها للتاريخ.

وتُجمع الروايات المتوارثة والمصادر المحلية على أن أول من وطئ أرض أمرج واستوطن نواحيها هم أفراد أسرة أهل مولاي عبد الكريم المعرفة قبليا باسم "الشرفه" والذين توطنوا كوش لبيظ مع أخوالهم من قبيلة أولاد محمد، فشاركوهم أيامهم ووقفوا معهم في وقائعهم، مؤسسين بذلك نواة الاستقرار الأولى في منطقة لم تكن تعرف غير الخوف والترحال.

ثم كان من أبرز رجالات هذه الأسرة، الشريف سيدي ولد مولاي أعل، الذي نزل بطحاء أمرج “حواص”، وكان من أثرياء المنطقة ووجهائها، ذا مكانة وهيبة، يحمل همّ أهله ويذود عن حماهم.

غير أن الأسود، التي كانت لا تزال تتربص بالبشر، استهدفت أحد أحفاده في حادثة مأساوية هزّت القلوب، إذ افترسته ليلًا في ظروف غامضة، لتتحول الفاجعة إلى شرارة عزيمة لا تنطفئ.

وتروي القصة التي تناقلها شهود عيان من الرعيل الأول، أن بعض الرعاة عثروا يومًا على أشبال لبؤة، فذبحوهم وسلخوهم، وحملوا جلودهم إلى الخيام، وأخذ الأطفال يلعبون بها غير مدركين لعاقبة الأمر.

فلما أقبل المساء، ويئست اللبؤة من العثور على أشبالها، قادت قطيعًا من الأسود في هجوم كاسح على مضارب لفريك، فهدمت بعض الخيام وأرعبت الساكنة.

غير أن الرجال، أهل النجدة والبأس، تصدوا للهجوم بثبات، فقتلوا عددًا من الأسود وصدّوا البقية، مثبتين أن إرادة الإنسان أقوى من بطش الوحش.

لكن المأساة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ ففي فجر الليلة نفسها، تسللت إحدى اللبؤات تبحث عن أثر أشبالها، مسترشدةً بالرائحة، حتى بلغت إحدى الخيام، فوجدت رائحة صغارها عالقة بجلود كانوا يلعبون بها، وقد التصقت بطفل بريء، فحملته في غفلة من الجميع ومضت به، ولم يُعثر عليه إلا بعد أيام جثة هامدة بين صخرتين، في مشهدٍ أدمى القلوب وزاد الشريف وأهله إصرارًا على وضع حدٍّ لعهد الرعب.

عندها دعا الشريف أبناءه ورجاله إلى تطهير أرض أمرج من السباع، فكانت حملة باسلة اقتُحمت فيها مغارات “أڭَناتة”، تلك الشجرة المخيفة التي طالما احتمت بها الأسود، فقتلوا بعضها وشرّدوا بعضها الآخر، حتى خلت الأرض من شرورها، وتحولت من ساحة افتراس إلى ميدان استقرار.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أمرج أول مضارب أسرة أهل مولاي عبد الكريم، ومنها انطلقت مسيرة العمران.

وتجمع الروايات التاريخية المحلية على أن أول من بنى أمرج ووضع لبناتها الأولى هو زعيم الأسرة الشريف مولاي أعل ولد المرتيجي ولد مولاي عبد الكريم، الذي شيّد فيها نواة الاستقرار الدائم، قبل أن ينضم إليه بعض الشيوخ والوجهاء، خاصة بعد إعلان الدولة والاتفاق الذي عُرف باسم “عام مالي”، حيث تعزز الأمن وتوطدت أواصر التعايش، فانتقلت أمرج من مضارب متناثرة إلى بلدة قائمة الأركان.

وهكذا، فإن أحقية مؤسسي أمرج لا تقوم على مجرد سبقٍ زمني، بل على تضحيات جسام، وبطولات خالدة، وصبرٍ على الشدائد، وعزمٍ على تحويل المستحيل إلى واقع.

لقد واجهوا الأسود في عرينها، واقتحموا المجهول بثبات، فاستحقوا أن يُذكروا في مقام المدح والثناء، وأن يُخلدوا في ذاكرة الأجيال بوصفهم الرواد الذين روّضوا الأرض، وأسسوا المدينة، وجعلوا من أمرج منارةً بعد أن كانت موحشةً موحلةً بالخوف.

تلك هي سيرة رجالٍ إذا ذُكر التأسيس ذُكروا، وإذا عُدّت المفاخر عُدّوا في طليعتها، فسلامٌ على المؤسسين الأوائل، وسلامٌ على أرض أمرج التي شهدت بطولاتهم، وبقيت وفيةً لذكراهم عبر السنين.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر