المهرجانات في موريتانيا.. عبء تنموي وغطاء للفساد

خميس, 01/08/2026 - 01:50

في بلدٍ يرزح تحت اختلالات تنموية عميقة، وتحديات اجتماعية واقتصادية خانقة، يفرض سؤالٌ نفسه بإلحاح: ما الجدوى الحقيقية للمهرجانات الثقافية التي تتكاثر بوتيرة مقلقة، وتُموَّل بسخاء من المال العام، بينما لا يلمس المواطن أي أثر تنموي ملموس لها؟
لقد كان الأجدر بهذه التظاهرات، لو امتلكت رؤية جادة، أن تكون رافعة للتنمية وفضاءً جامعًا للهوية الوطنية، غير أنها انزلقت في واقعها الراهن، لتتحول إلى عبء ثقيل على خزينة الدولة، وأداة لتعميق النعرات القبلية، ومنصة مفتوحة لتكريس الفساد واستغلال النفوذ، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي المعلن حول محاربة الفساد وتعزيز الوحدة الوطنية.
ثقافة بلا رؤية
إن أخطر ما يلفت الانتباه في هذه المهرجانات هو افتقارها التام لأي تصور ثقافي أو تنموي متكامل.
فلا برامج مستدامة، ولا مؤشرات قياس للأثر، ولا ارتباط فعلي بحاجات المجتمعات المحلية.
وإنما هي حفلات عابرة واستعراضات شكلية تُستهلك في أيام معدودة، لا تُطعم جائعًا، ولا تؤمّن خائفًا، ولا تُخرج منطقة واحدة من دائرة التهميش، وفي المقابل، تُبدَّد موارد كان الأولى أن تُوجَّه إلى التعليم والصحة والبنى التحتية وخلق فرص العمل، وهي القطاعات التي تشكّل العمود الفقري لأي نهضة حقيقية.
إشراف رسمي… ومباركة صامتة
المؤلم حقًا أن تتم هذه المهرجانات تحت إشراف مباشر من السلطات العمومية، وبمباركة ضمنية من الجهات العليا، رغم وضوح طابعها السياسي والقبلي، ورغم افتقارها لأي رؤية جادة تخدم الصالح العام.
هذا الإشراف لا يمنحها الشرعية فحسب، بل يكرّس اختلالًا خطيرًا في أولويات الإنفاق العمومي، ويبعث رسالة سلبية للمواطن مفادها أن “الاحتفال” يتقدّم على الضروريات، وأن الخطاب حول التقشف ومحاربة الفساد لا يتجاوز حدود الشعارات.
اقتصاد الريع
لقد أصبحت المهرجانات، في كثير من الحالات، وسيلة مفضوحة للإثراء غير المشروع ونهب المال العام، حيث تحوّلت الجهات الوصية والمنظمة إلى بوابات للريع، يُعاد عبرها توزيع الموارد على شبكة ضيقة من المستفيدين، بينما يزداد السكان المحليون فقرًا وهشاشة، ويُستغل حضور هؤلاء السكان لتضخيم المشهد وتضليل الرأي العام، وإعطاء انطباع زائف بالحيوية والإنجاز، في حين تُراكم قلة قليلة الثروات على حساب المال العام.
انحراف من الثقافة إلى القبلية
الأخطر من كل ما سبق أن هذه المهرجانات لم تعد مجرد تظاهرات ثقافية، بل تحولت إلى استعراضات قبلية بامتياز. صارت حلبة تنافس علني بين القبائل، تسعى كل واحدة إلى انتزاع ترخيص رسمي لمهرجان يحمل اسمها ويُنظَّم في قراها ومضاربها، وكأن الدولة باتت تُكرّس منطق التنافس القبلي بدل ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية والانتماء الوطني الجامع.
وقد أسهمت هذه الحمى غير المسبوقة في ضرب الوحدة الوطنية في الصميم، وإثارة حساسيات طائفية وقبلية، وإحياء صراعات عائلية كانت قد خمدت أو أوشكت على الزوال، فصدّعت النسيج الاجتماعي ووسّعت هوة الانقسام بدل أن تكون جسرًا للتلاقي.
لا مبرر للكلفة
إذا كان الترويج للرقص والغناء أمرًا مشروعًا في ذاته، فإن الوسائل الحديثة من منصات رقمية وهواتف ذكية وفّرت فضاءات واسعة لممارسة هذا الشغف دون كلفة تُذكر على الدولة.
وعليه، لا يوجد أي مبرر منطقي لتنظيم مهرجانات رسمية مكلفة تُستنزف فيها مقدرات الدولة، وتُستغل لتعزيز ممارسات قبلية خطيرة، تحت غطاء الثقافة والتنمية.

شعارات مكافحة الفساد… تحت الاختبار
لقد فتح ترخيص هذه المهرجانات الصاخبة وضخ الأموال العمومية فيها باب الفساد على مصراعيه، وحوّل الحديث المتكرر عن مكافحته إلى شعارات للاستهلاك الإعلامي، فاقدة للمصداقية والجدية.
فالتنافس القائم ليس تنافسًا على خدمة المواطن أو تحسين واقعه، بل على الظهور والقرب من مراكز القرار واقتسام الريع، دون أي مردودية اقتصادية أو اجتماعية تُذكر.
أوان الحسم
لقد آن الأوان، وبشكل لا يقبل التأجيل، لوضع حدٍّ لحمى المهرجانات في موريتانيا، وبلورة سياسة صارمة تُخضع كل إنفاق عمومي للرقابة والمساءلة، وتُفعِّل فعليًا مكافحة الفساد بعيدًا عن الانتقائية والازدواجية.
كما بات من الضروري وقف كل الممارسات القبلية التي تهدد السلم الاجتماعي، والعمل الجاد على تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ دولة القانون، لأن الأوطان لا تُبنى بعدد المهرجانات، بل بالعدل والتنمية واحترام كرامة المواطن.
ومهما يكن من أمر، فإن صخب المهرجانات غدا ثقبًا أسود يمتص أي نور يُراد به إضاءة مسار محاربة الفساد وتحقيق الوحدة الوطنية. فإما مراجعة شجاعة تعيد ترتيب الأولويات، وإما استمرار نزيف المال العام على حساب مستقبل وطن بأكمله.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر