
يبدو أن حزب الإنصاف الحاكم يتعاطى مع الخارطة السياسية في ولاية الحوض الشرقي بعقلية مرتجلة، تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير السياسية الموضوعية، وتستند أكثر إلى تقديرات إدارية مشكوك في مصداقيتها، بدل قراءة واقعية لتركيبة اجتماعية وسياسية معقدة لا تحتمل العبث أو التجريب.
هذا النهج لا يهدد فقط بفشل ذريع في كسب ثقة الناخب الشرقاوي، بل يضع مستقبل النظام القائم نفسه في مهب الريح داخل واحدة من أكثر الولايات حساسية في معادلة الولاء السياسي.
لقد بات واضحًا للمتابعين أن اعتماد الحزب الحاكم على بيانات وتقارير السلطات الإدارية في رسم المشهد السياسي بالحوض الشرقي لم يعد مقنعًا، بعدما انكشف ما يشوب هذه التقارير من تضليل وغش وتزوير للوقائع، في محاولة مكشوفة لتكييف الواقع السياسي مع رغبات المركز، بدل نقل الحقيقة كما هي.
وهو ما خلق فجوة متنامية بين الحزب وقواعده التقليدية، وأثار استياءً واسعًا في أوساط الفاعلين السياسيين.
إن المشهد السياسي في الحوض الشرقي لا يمكن فهمه خارج سياقه الاجتماعي، حيث تشكل التكتلات والأحلاف ذات البعد القبلي الأساس الحقيقي للوزن السياسي، مهما حاول البعض القفز على هذه الحقيقة أو التظاهر بتجاوزها.
صحيح أن المال الفاسد اقتحم الساحة بقوة، وأن محاولات شراء الذمم أصبحت أداة حاضرة في الصراع السياسي، إلا أن ذلك لم ينجح، ولن ينجح في صناعة زعامات حقيقية أو خلق قواعد شعبية من العدم.
وقد بدا واهماً كل متسيس فشل في بناء خلفية شعبية معتبرة، وظن أن التسلق على تصريحات رئيس الجمهورية حول كبح الممارسات القبلية هو المنفذ الوحيد لتصدر المشهد في الولاية.
فتركيبة الحوض الشرقي تجعل من هذه التصريحات، في أحسن الأحوال، خطابات للاستهلاك السياسي، ما لم تُرفق برؤية تدريجية واقعية، لأن تطبيقها حرفيًا وفجائيًا يعني عمليًا انسحاب النظام من ولاية لا يمكن تغيير ممارساتها السياسية بين عشية وضحاها.
إن حالة الارتباك التي تطبع المشهد السياسي اليوم في الحوض الشرقي ليست سوى نتيجة مباشرة لفشل واجهة النظام السياسية في إدارة العلاقة مع الأطراف المحلية، وفشلها في قراءة موازين القوى على الأرض.
وهو فشل ينذر بأزمة سياسية مفاجئة قد تُمرّغ أنف الحزب الحاكم، ولأول مرة، في تراب ولاية طالما وُصفت بالموالاة.
وتزداد خطورة الوضع مع إصرار الحزب على القفز على الأطراف السياسية القائمة، عبر صناعة شخصيات ورقية مجهولة، يتم الدفع بها في كل مقاطعة مستندة إلى المال العام والمشبوه لشراء الذمم، في محاولة يائسة لاستهداف تكتلات وأحلاف بعينها، وإعادة هندسة الخارطة السياسية بوسائل مصطنعة.
وهي محاولة فاشلة في جوهرها، لأنها تتجاهل عمق التجذر الاجتماعي والسياسي لهذه الأحلاف.
وتبرز على سبيل المثال لا الحصر، منطقة “كوش”، المتمثلة في مقاطعتي آمرج وعدل بكرو، كدليل صارخ على هذا التخبط.
فالمنطقة، بمقياس الوزن السياسي، لا تعرف سوى حلفين أساسيين لا ثالث لهما. أولهما حلف الوزير السابق سيدنا عالي ولد محمد خونه، الذي انسحب بمفرده من المشهد بسبب موقفه الداعم للرئيس السابق، تاركًا المجال لبعض المتسلقين من أنصاره لمحاولة ملء الفراغ مؤقتًا، رغم عجزهم عن تعويض ثقله الحقيقي.
أما الحلف الثاني، فهو حلف أهل الشين أو حلف أولاد محمد، كما سُمي في الانتخابات الأخيرة، بزعامة الوزير السابق أحمديت ولد الشين، والذي يتعرض لتجاهل متعمد منذ فترة، ما أثار استياءً واسعًا في صفوف مناصريه، ودفع بعضهم إلى اتهام النظام بتهميش زعيمهم القبلي عن قصد.
ومهما يكن من أمر، فإن كبح جماح الحزب الحاكم في الحوض الشرقي، والتخلي عن الاعتماد الأعمى على تقارير سلطات الولاية، وإعادة تقييم المشهد السياسي انطلاقًا من الواقع لا من المكاتب، بات ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل. فالإصرار على هذا النهج المرتبك لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الحزب وقواعده، وفتح الباب أمام خسارة سياسية قد تكون كلفتها أعلى مما يتصور القائمون على تدبير المشهد اليوم.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















