
لا تروق لي المساجلات والمهاترات التي تحدث على الفضاء الافتراضي كثيرا، ولست من الباحثين عن اتريند فيه، لكن أمر بيان وزارة التجارة قد استفرني -على غير العادة- كما استفز جمهور الناشطين على الفيس بوك، ولكن لن أخوض فيه من حيث خاضه من وقعت عيني على ردودهم، سواء منها المقروءة أو المسموعة. ولكن سأنبه بالإشارة -فقط- إلى عمق الخلل الذي أصاب ويصيب الجمهورية في العمق الاستراتيجي؛ حيث وسائل التقدم (المسير والسيير) اللذين أراهما سبب كل ويلات هذا الشعب، من التأسيس حتى اليوم.
ورد في البيان المثير للجدل؛ ما يفيد بأن الوزير كان و"مازال" وسيظل شيئا، والبيان قرأته على صفحة الوزارة، فرأيت أن المشكلة عين المشكلة هي: ما عبر عنه موقع الوزارة؛ "الوزير الشيء".
كنت أرى أنه يوجد فرق جوهري كبير، وكبير جدا بين الإنسان والشيء، فالإنسان؛ كائن مركب، متّعه الخالق جل جلاله بالإرادة، وبالوعي، وبالقدرة على التجاوب والتجاوز... إلخ، بينما الشيء هو الجماد الذي يبقى على ما هو عليه دون القدرة على التجاوب لعدم الارادة وعدم القدرة على التجاوز... وهو باختصار؛ (كيان مادي وثابت).
ما كنت أتصور أبدا أنه قد يحتاج المسير إلى معرفة الفروق الكثيرة بين الإنسان والشيء، ولولاها لحل "الروبوت" محله، -وقد يكون أفضل- وهذه الفروق تظهر من حيث؛ الطبيعة (أولا) و ومن حيث الجوهر (ثانيا).
يختلف الشيء والانسان من حيث الفروق التالية:
أولا: من حيث الطبيعة
1- الشيء: وهو الكيان المادي الثابت والخاضع لقوانين الطبيعة، وهي حتميات صارمة، تجعل الشيء غير قادر على تغيير ذاته بذاته، إذن؛ الشيء هو كيان مجبر كليا.
2- الإنسان: وهو الكائن الحي الذي أعطاه الله عقلاً شديد التفاعل، عَاليُّ القدرة على التطور، قادر على التفكير، وبناء الأفكار ذاتيا، بمعنى أنه ليس مادة جامدة، ولا يخضع للحتمية المادية في كثير من جوانب حياته، فهو قادر على تغيير اسلوبه وتغيير نفسه وأفكاره، وقادر على التجاوز. ومن أبرز ما يوصف به الإنسان أنه؛ (كائن متمرد على وضعه الذي هو فيه) ويسعى سعيا دؤوبا ليكون أحسن مما هو عليه، وسبيله لذلك الاختيار من بين الخيارات والبدائل المتاحة له.
ثانيا من حيب الجوهر
1- لا يتمتع الشيء بإرادة مستقلة، فهو مسخر ميسر، قد تنشأ بينه وبين الانسان علاقة غير متكافئة، خاضعة للحتمية، وليست له قيم يسعى لاحرازها، إنما يخدم مشغله (مستخدمه) فيما يريد، وكيفما يريد.
2- يتمع الانسان بجوهر مركب من إرادة مستقلة وعلاقات يكونها حسب رغبته وطموحه، تنسم رغباته وطموحه ومساعيه، وله قيم؛ هي أهم ما يمتلك وما يميزه عن الشيء.
فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، يألف ويؤلف (يأنس بغيره) ويشعر بالجفوة والوحدة من غير الاجتماع. ويبني علاقاته عادة؛ على مجموعة من القيم، تكون مشتركة حسب الحيز الزماني والمكاني اللذين يعيش بهما.
من هذه القيم الانسانية؛ العطف والألفة والمودة والعطف والتسامح التغاضي والبذل والصدق، وبغير هذه القيم يفقد انسانيته ويتحول من الإنسانية إلى الشيئية، أي أنه؛ "يتشيأ".
وباختصار؛ يتمتع الإنسان بأبعاد روحية وفكرية نشطة ومتجددة؛ تجعله مختلفا عن الشيء الذي يبقى منحصرا في حيز سطحي مادي جامد، ومنه يمكن أن نفهم أسباب عدم التطور والتقدم، والركود، بل و"الصفرية" الواضحة للعيان.



















